على امتداد معظم تاريخ التقنيات الرقمية، استند تصميم التجارب إلى افتراض أساسي: تحدّد المؤسسات ملامح التجربة قبل وصول العميل.
يتوقّع المصمّمون احتياجات الأشخاص، ويرسمون مسارات رحلاتهم المحتملة، ويحدّدون ما سيراه العملاء، والوجهات المتاحة لهم، وما سيحدث بعد ذلك. يمكن للتخصيص أن يجعل هذه التجارب أكثر ملاءمة للعملاء، لكنه عادةً ما يعمل ضمن بنية مصمّمة مسبقًا.
بدأ الذكاء الاصطناعي التوليدي والذكاء الاصطناعي الوكيل في تغيير هذا النموذج. تزداد قدرة الأنظمة الذكية على فهم سياق الشخص ونيّته لتحديد التجربة التي ينبغي أن تتشكّل استجابةً لذلك. فيمكن أن يتغيّر المحتوى، وتتكيّف الواجهات، وتسلك مهام سير العمل مسارات مختلفة. لم يعد دور النظام يقتصر على اختيار ما يعرضه ضمن رحلة العميل. بل تتزايد قدرته على تشكيل الرحلة نفسها.
ويُعمّق الذكاء الاصطناعي الوكيل هذا التحوّل بتغيير الجهة التي تنفّذ العمل. فقد يطلب العميل من وكيل ذكاء اصطناعي البحث عن الخيارات، أو مقارنة منتجات أو خدمات معقّدة، أو حلّ مشكلة، أو إتمام معاملة مأذون بها. وفي بعض الحالات، قد لا يتفاعل العميل مطلقًا بصورة مباشرة مع التجربة الرقمية التقليدية للشركة.
يتجاوز هذا التغيير مجرد تطوّر في تجربة المستخدم (UX). فهو يغيّر طبيعة ما يصمّمه المصمّمون.
لنتأمّل حالة عميلين يسعيان إلى تحقيق النتيجة نفسها. يعرف أحدهما احتياجاته بدقّة ويولي السرعة أهمية كبيرة. أما الآخر، فلا يزال يقيّم الخيارات ويحتاج إلى فهم المفاضلات بينها قبل اتخاذ القرار.
اليوم، قد تُعرض على كليهما الصفحة نفسها تقريبًا، وآليات التنقّل وتسلسل الخطوات ذاتهما، مع إضافة توصيات أو محتوى مختلف لكلٍّ منهما. لكن التجربة الذكية يمكن أن تتجاوز ذلك. فيمكنها أن تحدّد أن لكلٍّ منهما رحلة مختلفة تمامًا.
فبالنسبة إلى أحد العميلين، قد يحذف النظام الخطوات غير الضرورية ويسرّع الوصول إلى إتمام المهمة. أما بالنسبة إلى الآخر، فقد يقدّم مقارنات أو شروحات أو إرشادات من الخبراء. ويمكن أن يتغيّر المحتوى، وتسلسل الخطوات، ومستوى المساعدة، ومقدار الجهد المطلوب من العميل، وفقًا للنيّة والسياق.
لم يعد دور المصمّمين يقتصر على تحديد المسار الذي سيتبعه العميل. بل أصبحوا يحدّدون كيفية اختيار النظام الذكي للمسار المناسب، والإجراءات المسموح له بتنفيذها، ومتى ينبغي له طلب توضيح أو تأكيد أو تصعيد الأمر.
ويطرح هذا النهج أيضًا تحدّيًا جديدًا أمام التصميم: عدم اليقين. فالذكاء الاصطناعي لا يعرف دائمًا ما يقصده العميل. لذلك، يجب أن تراعي التجربة مستوى الثقة، والتبعات، وإمكانية التراجع عن الإجراءات. أحيانًا، يكون الإجراء المناسب هو إزالة العوائق. وفي أحيان أخرى، يكون الإجراء المناسب هو طلب تأكيد، أو تقديم توضيح، أو الاستعانة بالتقدير البشري.
ويمتدّ هذا التحوّل أيضًا إلى ما وراء الواجهة. فإذا كان وكيل ذكاء اصطناعي يتصرّف نيابةً عن العميل، فعلى المؤسسة إتاحة معلومات منتجاتها وسياساتها وأسعارها وتوافرها، والإجراءات التي تتيح تنفيذها، بطريقة تستطيع الآلات فهمها والوصول إليها، كما يستطيع الأشخاص ذلك.
وهذا يقود إلى سؤال أصعب: هل تستطيع المؤسسة الاستجابة بالقدر نفسه من المرونة الذي تتمتّع به التجربة؟
قد يفهم نظام الذكاء الاصطناعي ما يريده العميل بدقّة، لكن قيمة هذا الفهم تظلّ محدودة إذا لم تستطع المؤسسة تأكيد التوافر، أو تحديد الأهلية، أو السماح بتنفيذ إجراء، أو الوفاء بما وعدت به. لذلك، لا تعتمد جودة التجربة على الذكاء المتاح في الواجهة وحده، بل تعتمد أيضًا على قدرة المؤسسة على تحقيق النتيجة بصورة موثوقة.
لن تقتصر المرحلة المقبلة من تصميم التجارب على تقديم رحلات أكثر تخصيصًا. بل ستشمل تصميم آليات تكيّف التجارب، وتفويض الصلاحيات، وربط نيّة العميل بما تستطيع المؤسسة تقديمه.
إذا كان الذكاء الاصطناعي يستطيع توليد الواجهات والمحتوى والتفاعلات، فقد يبدو أن الشركات ستحتاج إلى قدر أقل من أعمال التصميم. لكن الأرجح هو العكس. فمع ازدياد سهولة الإنتاج، ينتقل العمل الأصعب إلى تحديد المعايير والقيود والحدود الدنيا للجودة التي يعمل الذكاء الاصطناعي ضمنها.
وهذا يغيّر دور نظام التصميم. تظلّ العناصر وتخطيطات الواجهات ومعايير العلامة التجارية مهمة، لكنها لم تعد كافية. وتزداد حاجة أنظمة التصميم إلى ضبط السلوك والحالات والانتقالات وإمكانية الوصول ونبرة الخطاب والحالات الاستثنائية، لتمكين الذكاء الاصطناعي من توليد تجارب دون التسبّب في عدم الاتساق أو نتائج غير مقصودة.
كما تحتاج هذه الأنظمة إلى حلقات تعليقات. يمكن للتفاعلات الفعلية أن تساعد على تحسين التجارب التي يولّدها الذكاء الاصطناعي، لكن ينبغي ألّا يتحوّل التعلّم إلى انحراف خارج السيطرة. وتحتاج المؤسسات إلى آليات لتقييم التغييرات، وتحديد ما إذا كانت تحسّن التجربة، والحفاظ على المبادئ التي ينبغي أن تظلّ ثابتة.
وبذلك، يصبح نظام التصميم جزءًا من حوكمة التجارب المتكيّفة. فهو لا يحدّد تفاصيل كل تجربة مسبقًا. بل يضع المعايير والحدود التي يستطيع الذكاء الاصطناعي ضمنها توليد تجارب متنوّعة، دون المساس بالاتساق أو إمكانية الوصول أو النتائج المنشودة.
وهذا يزيد قيمة التقدير البشري بدلًا من تقليلها. يمكن للأدوات التوليدية اختصار أعمال الإنتاج وتوليد صيغ متنوّعة بسرعة. وينتقل الدور الأعلى قيمةً للتصميم إلى تحديد التوجّه، ووضع معايير الجودة، وتقييم النتائج، وتحديد المعايير والأنماط التي ينبغي أن تضبط التجارب المستقبلية.
يتّسع نطاق تصميم التجارب ليشمل نوعًا جديدًا من المشاركين: وكلاء الذكاء الاصطناعي الذين يتصرّفون نيابةً عن الأشخاص. لا تزال معظم التجارب التي تتمّ عبر الوكلاء اليوم تدعم استكشاف الخيارات وصناعة القرار، بدلًا من العمل بصورة مستقلة، لكن التوجّه واضح. وتزداد حاجة المؤسسات إلى مراعاة ما تستطيع الآلات فهمه والتصرّف بناءً عليه في التصميم، إلى جانب ما يستطيع الأشخاص فهمه.
وهذا يضيف بُعدًا جديدًا إلى قابلية الاكتشاف. سبق أن وصفنا مفهوم "الرف غير المرئي"، حيث قد يكون المنتج أو العرض ملائمًا للعميل، لكنه لا يدخل ضمن الخيارات التي يفكّر فيها لأن نظام الذكاء الاصطناعي لا يُظهره. ومع تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الخيارات، يصبح ظهور المنتجات والخدمات والعروض مرهونًا بصورة متزايدة بتقديم معلومات دقيقة وحديثة ومفصّلة عنها، بما يكفي ليقيّم الوكيل مدى توافقها مع نيّة الشخص.
تختلف متطلّبات الوضوح بين الأشخاص والوكلاء. فقد يحتاج الشخص إلى شرح سهل الفهم للخيارات والمفاضلات بينها. أما وكيل الذكاء الاصطناعي، فيحتاج إلى معلومات معتمدة عن السعر والتوافر والأهلية والمواصفات والشروط والقيود، إضافةً إلى وسيلة موثوقة للوصول إلى الإجراءات المصرّح له بتنفيذها. لذلك، تصبح قابلية فهم الآلات للمعلومات وقابلية التشغيل البيني جزءًا من تصميم التجارب، وليستا مجرد اعتبارات تقنية تدعمه.
ويظلّ الهدف موجّهًا لخدمة البشر. فالهدف ليس تحقيق أقصى قدر من الأتمتة أو التخصيص، بل مساعدة الأشخاص على تحقيق نتيجة، مع الحفاظ على قدرتهم على فهم ما يجري نيابةً عنهم والتحكّم فيه. ومع تفويض الأشخاص مزيدًا من الأنشطة إلى الذكاء الاصطناعي، تتوقّف الثقة بصورة متزايدة على معرفة ما يفعله الوكيل، والصلاحيات الممنوحة له، ومتى يستطيع الشخص التدخّل.
لذلك، يجب أن يخدم تصميم التجارب جمهورين مع التمييز بين احتياجاتهما. فعلى المؤسسات أن تتيح للآلات فهم معلوماتها وتنفيذ الإجراءات بسهولة أكبر، مع ضمان خضوع التجربة الناتجة للمساءلة أمام الشخص الذي يمثّل الوكيل نيّته وصلاحياته ومصالحه.
وهنا يلتقي تحدّي التصميم بالواقع التشغيلي للمؤسسة. يستطيع الذكاء الاصطناعي فهم نيّة العميل وتكييف التجربة بصورة شبه فورية. لكن تنفيذ الإجراء الناتج يظلّ مرهونًا بقدرة المؤسسة على التحقّق من الحقائق، وتحديد ما هو مسموح به، وتنفيذ القرار.
وبذلك، ينتقل العامل الذي يحدّ من الأداء تدريجيًا إلى ما وراء الواجهة. قد تعرف التجربة الذكية ما ينبغي أن يحدث بعد ذلك. لكن المؤسسة تظلّ بحاجة إلى التوفيق بين البيانات، وتطبيق قواعد الأعمال، وتنسيق مهام سير العمل، أو الحصول على الصلاحيات اللازمة من أنظمة وفرق لم تُصمَّم للاستجابة بالسرعة نفسها.
ولا يعني ذلك أن كل نظام في المؤسسة يجب أن يصبح ديناميكيًا. فأنظمة السجلات والسياسات والضوابط تحتاج غالبًا إلى الحفاظ على استقرارها. أما ما يجب أن يصبح أكثر استجابةً، فهو الطبقة التي تربط الإشارات الواردة من العملاء بالبيانات المعتمدة ومنطق القرارات ومهام سير العمل القابلة للتنفيذ. والهدف هو تقليص الفجوة بين فهم احتياجات العميل وقدرة المؤسسة على التصرّف لتلبيتها.
وهذا هو الجانب المؤسسي لما وصفناه بضرورة التحقّق من الأهلية. فإذا لم تستطع المؤسسة تحديد ما إذا كان العرض أو الإجراء صالحًا وقابلًا للتنفيذ في سياق العميل المحدّد، فلن تكفي ملاءمته له. فإذا لم تستطع المؤسسة تحديد ما إذا كان العرض أو الإجراء صالحًا وقابلًا للتنفيذ في سياق العميل المحدّد، فلن تكفي ملاءمته له.
ويمتدّ هذا التحدّي أيضًا إلى ما وراء الحدود التقليدية للوظائف التي تتعامل مباشرةً مع العملاء. فقد تتطلّب نيّة واحدة للعميل قرارات تشمل التسويق والمبيعات والتجارة وإدارة الطلبات والخدمة. وإذا ظلّ السياق وصلاحيات اتخاذ القرار ومهام سير العمل معزولة داخل هذه الوظائف، فقد تتكيّف التجربة بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسة على الاستجابة. ويُبرز الذكاء الاصطناعي هذه الفجوات بين الوظائف، لأن العميل يتوقّع بصورة متزايدة الوصول إلى نتيجة واحدة عبر تجربة متّصلة، بدلًا من سلسلة من عمليات الإحالة بين الوظائف.
وهذا يوسّع نطاق التحوّل المطلوب في العمليات التي تدعم تصميم التجارب. فتصبح البيانات المترابطة، ومنطق القرارات الخاضع للحوكمة، والتقنيات القابلة للتشغيل البيني، ومهام سير العمل التي تمتدّ عبر الوظائف، والصلاحيات الواضحة لاتخاذ القرار، جزءًا من قدرة المؤسسة على تقديم التجربة. ليس الهدف أن يعمل كل جزء من المؤسسة بسرعة الذكاء الاصطناعي. بل ضمان اتخاذ القرارات التي تهمّ العميل بهذه السرعة.
ومع ازدياد قدرة التجارب على التكيّف، ينتقل العامل الذي يحدّ من القدرة التنافسية من سرعة استجابة الواجهة إلى سرعة تحويل المؤسسة لنيّة العميل إلى إجراء موثوق. ويظلّ ذكاء التجربة مرهونًا بقدرة المؤسسة التي تدعمها على اتخاذ القرارات وتنفيذها.