أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي أكثر استقلالية واستباقية. ماذا يعني ذلك لمسارات قابلية الملاحظة؟
وفقًا لتقرير صادر عام 2026 عن شركة الاستشارات Neurones IT، يتمتع أقل من تطبيق واحد من كل 10 تطبيقات مؤسسية بقابلية ملاحظة كاملة. تشير هذه الإحصائية إلى مشكلة تتفاقم منذ فترة طويلة: فعمليات قابلية الملاحظة التقليدية لم تُصمم للتعامل مع تعقيد مهام سير العمل الحالية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
لنتأمل مساعد سفر مدعومًا بالذكاء الاصطناعي ترتفع أوقات استجابته فجأة. قد تشير أدوات قابلية الملاحظة التقليدية إلى ارتفاع زمن الانتقال على مستوى الخدمة، مما يضطر الفرق إلى فحص السجلات والتتبعات ولوحات المعلومات يدويًا لتحديد ما إذا كانت المشكلة ناتجة عن النموذج نفسه، أو عن واجهة API تابعة، أو عن وكيل يجري استدعاءات أدوات غير فعالة. وقد يترك هذا النهج القائم على رد الفعل الفرق في حالة من التخمين، لا سيما في بيئات تكنولوجيا المعلومات الحديثة التي تتسم بالتجزؤ والتغير المستمر.
"لم يعد عدد متزايد من العملاء يريدون لوحة معلومات. فهم لا يريدون أداة تخبرهم: "طبيعة ما يحدث في نظامهم"، بحسب ما قاله Vikram Murali، نائب رئيس تطوير المنتجات في IBM® Automation، في بودكاست AI in Action من IBM. بل يريدون معرفة: "ما الإجراءات التي يمكنهم اتخاذها لتحسين أداء النظام؟"
وبعيدًا عن التوصيات الثابتة، تحتاج فرق ITOps إلى حلول قادرة على التنبؤ الذاتي والضبط الذاتي، بحيث تتوقع الأخطاء وفترات التعطّل مسبقًا وتستجيب لها تلقائيًا. وبما أن الذكاء الاصطناعي الوكيل يستطيع تقييم سلوك النظام وأدائه وسياقه باستمرار، يمكن للفرق تجاوز الإشارات السطحية لفهم الأسباب الأساسية، والتحقق من الأعراض، وتحديد الاعتماديات مع إشراف بشري محدود. ووفقًا لدراسة Neurones، يمكن لهذه القدرات مجتمعةً خفض تكاليف ITOps بنسبة تصل إلى 35% بفضل تقليل الجهد البشري وفترات التعطّل والأعباء التشغيلية.
ومع ذلك، فإن دمج الذكاء الاصطناعي يفرض تحديات تشغيلية جديدة، ويكشف عن فجوة آخذة في الاتساع بين القدرات المدعومة بالذكاء الاصطناعي وقدرة الفرق على مراقبة السلوكيات القائمة على الوكلاء وتوجيهها.
واستجابةً لذلك، تعيد فرق ITOps تصميم عمليات قابلية الملاحظة من الأساس، وتنشر وكلاء لتحسين استخدام الموارد وأتمتة المهام ورصد الأخطاء بشكل استباقي، بينما تتعامل في الوقت نفسه مع ما يفرضه الذكاء الاصطناعي من تحديات خاصة على مستوى الحوكمة وقابلية التفسير والبيانات. يمكن لأدوات المراقبة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تسريع العمليات القائمة على الوكلاء، في حين يستطيع الوكلاء بدورهم تعزيز قابلية الملاحظة، لتسهم هذه القدرات معًا في بناء بيئة تكنولوجيا معلومات أكثر مرونة وكفاءة وأمانًا.
وفقًا لتقرير صادر عن منصة الأمن السيبراني Vectra، تتلقى فرق الأمن في المتوسط 4500 تنبيه يوميًا، لكنها لا تتمكن إلا من الاستجابة لنحو ثلثها، مما يترك المؤسسات عرضة للهجمات وحالات عدم الاتساق.
لكن كثرة التنبيهات قد تكون عرضًا لمشكلة أعمق. يمكن للخدمات المصغرة والبنى الهجينة والأنظمة الموزعة أن تربك آليات المراقبة التقليدية، كما تجد مؤسسات كثيرة صعوبة في تمييز الإشارات المهمة عن الضوضاء. ويزيد الوكلاء هذا التحدي تعقيدًا بإضافة مجموعات بيانات جديدة تمامًا، مثل أشجار القرار الشاملة، وسجلات التفاعل مع الأدوات، ومقاييس استخدام الذاكرة، وهي بيانات يتعين على الفرق جمعها وتحليلها.
ومما يزيد جهود قابلية الملاحظة تعقيدًا أن البيانات الصادرة من مصادر الذكاء الاصطناعي غالبًا ما تكون أصعب في الفهم؛ إذ يمكن لنماذج الذكاء الاصطناعي أن تنتج بيانات غير متسقة أو غير دقيقة (الهلوسة)، أو أن تُخفي المخرجات خلف أشجار قرار غير شفافة، فيما يُعرف بمشكلة الصندوق الأسود. وقد تكشف النماذج أيضًا عن معلومات حساسة دون قصد، وهو ما يُعرف بتسرب البيانات، الأمر الذي قد يثير مخاوف لدى المؤسسات العاملة في قطاعات تخضع لتنظيم صارم، مثل الرعاية الصحية والقطاع المالي. ونتيجة لذلك، خلصت دراسة أجراها معهد IBM Institute for Business Value (IBV) عام 2025 إلى أن 45% من المسؤولين التنفيذيين يرون أن نقص الرؤية يمثل عقبة رئيسية أمام دمج القدرات القائمة على الوكلاء.
وقد تؤدي هذه الفجوات في الرؤية إلى مخاطر تتعلق بالامتثال، إذ تعجز الفرق عن الاحتفاظ بسجل تفصيلي قابل للتدقيق لسلوكيات الوكلاء. ووفقًا لمعهد IBV، يتوقع ما يقرب من 70% من المسؤولين التنفيذيين أن تتعرض شركاتهم لغرامة تنظيمية مرتبطة بدمج الذكاء الاصطناعي التوليدي، مما يشير إلى أن أطر الحوكمة الداخلية لم تواكب مهام سير العمل متعددة الوكلاء.
يمكن أن تفرض النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) وأدوات الذكاء الاصطناعي الأخرى ضغطًا إضافيًا على الميزانيات. فقد يختلف استخدام الفرق للرموز المميزة بدرجة كبيرة من شهر إلى آخر، مما يصعّب على أدوات قابلية الملاحظة توقع حجم الطلب. ونظرًا إلى أن موردي حلول الذكاء الاصطناعي يحدّثون النماذج ويعيدون تدريبها ونشرها باستمرار، تضطر فرق تكنولوجيا المعلومات إلى إعادة تكوين مسارات قابلية الملاحظة وبيئات البناء مرارًا لاستيعاب الإصدارات الجديدة.
ورغم أن النماذج اللغوية الكبيرة تضيف مزيدًا من التعقيد إلى عمليات قابلية الملاحظة، فإنها قد تكون أيضًا جزءًا من الحل. ومن خلال تزويد منصات قابلية الملاحظة بقدرات قائمة على الوكلاء، يمكن للمؤسسات ألا تكتفي بالاستجابة لتحديات تبني الذكاء الاصطناعي على مستوى المؤسسة، بل أن ترتقي أيضًا بقدرات المراقبة لديها إلى ما يتجاوز إمكانات أدوات قابلية الملاحظة التقليدية. يمكن لأدوات قابلية الملاحظة القائمة على الوكلاء دعم أداء تكنولوجيا المعلومات ومرونتها وأمانها وتحسينها من خلال:
قد يتحدد مستقبل قابلية الملاحظة بقدر ما يرتبط بتحول استراتيجي، لا بتحول تقني فحسب. ومع انتقال مسؤوليات قابلية الملاحظة من مجرد جمع البيانات إلى دعم القرار، ثم إلى اتخاذ إجراءات استباقية، تستجيب المؤسسات من خلال:
نظرًا إلى أن الذكاء الاصطناعي يعتمد على معلومات مستمدة من بيئات ومصادر بيانات مختلفة، يمكن للمؤسسات العمل على إزالة صوامع البيانات لتحسين الرؤية، وتمكين الفرق التي كانت تعمل عادةً بمعزل عن بعضها، بما في ذلك المطورون وفرق ITOps وDevOps ومهندسو الذكاء الاصطناعي، من العمل انطلاقًا من مصدر واحد للحقيقة. وتساعد هذه الاستراتيجية على ضمان وصول النماذج إلى بيانات تدريب عالية الجودة، وقدرتها على تقييم جميع الاعتماديات المتبادلة قبل تشخيص أي خطأ أو التوصية بخطوات المعالجة.
يمكن لمنصات قابلية الملاحظة الحديثة تبسيط عمليات قابلية الملاحظة من خلال تنسيق تسلسل هرمي من الوكلاء، يكون لكل منهم مجموعة محددة من المسؤوليات. في أحد النماذج الناشئة، يحدد محرك القرار المشكلة، ويضع تعليمات لإصلاحها، ثم يكلّف وكيلًا أو مجموعة من الوكلاء بالاستجابة لها بشكل مستقل. وقد يراجع وكيل مشرف هذه الإجراءات بعد ذلك ويقدم تعليقات عليها، قبل إرسال المهام المكتملة إلى شخص مختص للمراجعة النهائية أو التعديل.
مع ازدياد تطور الذكاء الاصطناعي، يجب على المؤسسات تحقيق التوازن بين استقلالية الوكلاء ومتطلبات السلامة والأمن. تصمم العديد من فرق ITOps ضوابط وقائية وهياكل أذونات جديدة تمكّن الوكلاء من الاستجابة للحوادث بكفاءة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الإشراف والامتثال ضمن مهام سير العمل التي تتضمن إشراف العنصر البشري (HITL). يمكن للفرق أيضًا إخضاع الوكلاء لاختبارات إجهاد في بيئات مرحلية قبل تنفيذ عمليات النشر واسعة النطاق.
غالبًا ما تتطلب أحمال التشغيل القائمة على الوكلاء وتطبيقات الذكاء الاصطناعي استثمارات جديدة في أدوات قابلية ملاحظة مصممة خصيصًا للذكاء الاصطناعي، إلى جانب تطوير المهارات وإدارة التغيير وتخزين البيانات القابل للتوسع، وغيرها من التكاليف. لكن على المدى الطويل، يمكن أن يؤدي دمج الذكاء الاصطناعي إلى تحقيق وفورات كبيرة في التكاليف، إذ تقلل عمليات قابلية الملاحظة المبسطة الضغط التشغيلي، وتساعد على تسريع المعالجة، وتسهم في ضمان استمرارية مدة التشغيل.
يمكن لقابلية ملاحظة الذكاء الاصطناعي أن تدعم تجربة مستخدم أعلى جودة، حيث يثق العملاء في أن الخدمات ستعمل كما هو متوقع، بزمن انتقال منخفض، وسلوكيات يمكن التنبؤ بها، ومعالجة سريعة وشفافة للأخطاء.
وفي المقابل، يمكن لفرق تكنولوجيا المعلومات والمطورين تخصيص مزيد من الوقت لابتكار المنتجات والتحسينات المتقدمة. وبدلًا من تقليل دور العنصر البشري في عملية قابلية الملاحظة، يكتسب الأفراد فهمًا أعمق لسلوكيات الأنظمة، ويصبحون أكثر قدرة على اتخاذ قرارات أذكى لتحسين الأمان ومدة التشغيل والأداء.
سجّل في ندوة الإنترنت "قابلية الملاحظة للذكاء الاصطناعي والذكاء الاصطناعي لقابلية الملاحظة: من الضجة إلى التطبيق العملي"