يتولى رؤساء الذكاء الاصطناعي مسؤولية توسيع نطاق النجاحات الأولية التي تحققت بصورة منفصلة، ويسعون إلى توحيد أعضاء الإدارة العليا حول رؤية مشتركة للذكاء الاصطناعي.
وعندما تسأل Alexandra Nasif، قائدة ممارسات الذكاء الاصطناعي في IBM Consulting Americas، رؤساء الذكاء الاصطناعي عن أكبر العقبات التي تواجههم، فإنها تسمع إجابة متشابهة في كثير من الأحيان.
تقول Nasif في حديثها في IBM Think: "يصفون الأمر وكأنهم يعيشون في جزيرة بمفردهم، ولديهم مهمة ضخمة وغير مسبوقة يجب إنجازها، لكنهم لا يملكون الروابط والتعاون الذي يحتاجون إليه".
وأصبحت هذه المشكلة أكثر شيوعًا مع انتقال المؤسسات من المشروعات التجريبية للذكاء الاصطناعي إلى تطبيقه على نطاق الإنتاج الكامل. فالنهج اللامركزي في التجارب، الذي ساعد على تسريع الابتكار في المراحل الأولى، أفسح المجال لأنظمة منفصلة وإشراف غير متسق.
وأصبحت الإدارات تتنافس على الموارد نفسها، وتكرر الجهود، بينما تبقى النجاحات محصورة داخل كل إدارة دون أن تمتد إلى المؤسسة بأكملها. ونتيجة لذلك، لم يواكب عائد الاستثمار (ROI) التوقعات. فوفقًا لـ IBM Institute for Business Value (IBV)، لم تحقق سوى 25% من مبادرات الذكاء الاصطناعي القيمة المتوقعة، بينما لم يتوسع على مستوى المؤسسة سوى 16% منها.
ورغم أن بعض كبار التنفيذيين قد يميلون إلى تحميل قيادة الذكاء الاصطناعي المسؤولية كاملة، فإن رؤساء الذكاء الاصطناعي يؤكدون أنهم، في غياب صلاحيات واضحة وملكية فعلية لقرارات الذكاء الاصطناعي، يواجهون صعوبةً في تحقيق نتائج قابلة للقياس. ويؤدي اتساع الفجوة بين توقعات الرؤساء التنفيذيين والواقع التشغيلي الذي يعيشه رؤساء الذكاء الاصطناعي إلى إضعاف التوافق بينهم، ما يؤدي إلى عرقلة مشروعات الذكاء الاصطناعي قبل أن تصل إلى مرحلة النضج الكامل.
عندما بدأ الذكاء الاصطناعي التوليدي يجتاح بيئة المؤسسات في عام 2023، أصدر الرؤساء التنفيذيون توجيهًا بسيطًا إلى رؤساء الذكاء الاصطناعي الجُدُد: اجعلوا أكبر عدد ممكن من الفِرق يعتمدون الذكاء الاصطناعي.
أما اليوم، ومع توسُّع المؤسسات في مرحلة الإنتاج، فقد أصبح رؤساء الذكاء الاصطناعي يواجهون واقعًا أكثر تعقيدًا. فنظرًا إلى أن الفِرق المختلفة اعتمدت حلولًا ومصادر بيانات مختلفة خلال مرحلة التجارب، أصبحت البيئات المؤسسية أكثر تشابكًا وتجزئة وصعوبة في الإدارة، وهو ما يكلِّف المؤسسات الكبرى نحو 140 مليون دولار أمريكي سنويًا.
يقول Jacob Dencik، مدير الأبحاث في IBM Institute for Business Value، لـ IBM Think: "عندما يتعلق الأمر بتوسيع نطاق الذكاء الاصطناعي لتحقيق أثر على مستوى المؤسسة، فإن هذا القدر من التجزئة قد يتحول إلى فوضى وانتشار غير منظم. هل يُفترض أن تدعم أنظمة تكنولوجيا المعلومات لدينا آلاف الوكلاء والأصول الرقمية؟ كيف يمكن أن ينجح ذلك؟".
وأضاف Dencik أن الذكاء الاصطناعي يختلف عن تقنيات مثل الحوسبة السحابية أو إنترنت الأشياء أو حوسبة الحافة، لأن معظم الموظفين يتعاملون مع النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) يوميًا، وبالتالي "لكل شخص رأيه" بشأن كيفية استخدامها. ولهذا السبب، يواجه رؤساء الذكاء الاصطناعي في كثير من الأحيان مقاومة واعتراضات أكبر مقارنةً بغيرهم من القيادات.
كما أن الذكاء الاصطناعي يمتد عبر الإدارات وحالات الاستخدام المختلفة، لذلك لا يمتلك رئيس الذكاء الاصطناعي بطبيعته السيطرة الكاملة على عمليات نشر الأنظمة القائمة على الوكلاء، بالطريقة نفسها التي يتحكم بها المدير المالي (CFO) في الشؤون المالية، أو رئيس التكنولوجيا (CTO) في تكنولوجيا المعلومات.
وفي غياب آليات التنفيذ الواضحة، يعتمد رئيس الذكاء الاصطناعي غالبًا على قوة الإقناع، من خلال تحديد أكثر أهداف المؤسسة إلحاحًا، وتوضيح كيف يمكن للذكاء الاصطناعي دعمها، والتحدث بلغة يفهمها زملاؤه.
ويحرص Roger Moore، الأستاذ المشارك في جامعة شيكاغو، على ترسيخ فكرة لدى طلابه مفادها أن مناقشات الذكاء الاصطناعي لا تختلف عن أي قرار أعمال آخر. ويمثل ذلك تحديًا لرؤساء الذكاء الاصطناعي الحاليين أو المرتقبين؛ لأن كثيرًا منهم ينحدرون من خلفيات تقنية.
يقول Moore في حديثه مع IBM Think: "إذا كانت أول عبارة تقولها للرئيس التنفيذي هي "المساحة تحت المنحنى"، فقد خسرت منذ البداية. لن تحقق أي تقدم بهذه الطريقة. عليك أن تتحدث بلغتهم، لغة الأعمال".
وهذا التحدي يعرفه عالم البيانات Jon Morra جيدًا. فهو يشغل منصب رئيس الذكاء الاصطناعي في شركة Zefr، المتخصصة في تقنيات الإعلانات والتي تستخدم الذكاء الاصطناعي لتصنيف محتوى وسائل التواصل الاجتماعي لصالح المعلِنين. ولا يحتاج Morra إلى إقناع زملائه بأهمية الذكاء الاصطناعي؛ لأنه يمثل جزءًا أساسيًا من عروض الشركة. لكن التحدي الحقيقي بالنسبة إليه يكمن في التنقل بين عالمَي الأعمال والتكنولوجيا.
يقول Mora: ""استغرق مني الأمر بعض الوقت لأدرك أن مهمتي لم تَعُد تقتصر على تحقيق أكبر قيمة لعملائنا من خلال الذكاء الاصطناعي الذي يطوره فريقي، بل أصبحت أيضًا تمكين الشركة من العمل بإنتاجية أعلى باستخدام هذه الأدوات. وكان عليّ أن أتعلم التحدث بعدة لغات في الوقت نفسه".
فعند تحسين نماذج Zefr الموجَّهة للعملاء، يستطيع Morra الاعتماد على مؤشرات واضحة مثل الدقة (Accuracy) والاستدعاء (Recall) والإحكام (Precision). لكن الأسئلة المفتوحة المتعلقة بالعمليات، مثل إذا ما كان ينبغي للشركة استخدام نماذج لغوية كبيرة من جهات خارجية أو بناء نماذجها الخاصة مفتوحة الأوزان (Open-weight models)، أو إلى أي مدى ينبغي للمطورين الاعتماد على الوكلاء لأتمتة البرمجة، تُعَد أكثر صعوبة في الحسم.
وأوضح أن ما ساعده هو الحفاظ على مسؤولية واضحة عن الجانب التقني (إلى جانب رئيس التكنولوجيا (CTO))، مع تبنّي نهج أقل تشددًا وأكثر انفتاحًا فيما يتعلق بجوانب الأعمال. وأضاف أن هذا التوازن يختلف من شركة إلى أخرى.
وفي هذه المرحلة، يثق معظم الرؤساء التنفيذيين في قدرة الذكاء الاصطناعي على إحداث تحول في أعمالهم، لكنهم لا يزالون بحاجة إلى من يساعدهم على تحديد المبادرات التي ينبغي إعطاؤها الأولوية، وكيفية تنفيذها، وكيفية التمييز بين الضجة الإعلامية المحيطة بالذكاء الاصطناعي وإمكاناته الحقيقية.
ويرى Moore، الأستاذ في جامعة شيكاغو، أن بإمكان رؤساء الذكاء الاصطناعي البدء بطرح سؤال بسيط: "ما الذي يبقيك مستيقظًا طوال الليل؟". فالإجابات تساعد رؤساء الذكاء الاصطناعي على توجيه سياسات الذكاء الاصطناعي نحو مشكلات الأعمال الحقيقية، بدلًا من الانطلاق من الإمكانات التقنية ثم البحث لاحقًا عن حالات استخدام مناسبة لها.
وأضافت Alexandra Nasif، مستشارة IBM: "أبعدوا التقنية عن المعادلة. ما المهمة والأهداف الاستراتيجية للمؤسسة أو الشركة؟ إذا ربطتم مبادراتكم بأهداف المؤسسة، فستصبح أولوياتكم متوافقة معها بصورة طبيعية".
ولا يُعَد الاحتكاك الذي قد ينشأ بين الرئيس التنفيذي، ورئيس الذكاء الاصطناعي، وبقية أعضاء الإدارة التنفيذية أمرًا سلبيًا بالضرورة؛ ففي بعض الحالات، قد يكون عاملًا رئيسيًا في نجاح تطبيق الذكاء الاصطناعي.
إذ يمكن لرئيس الذكاء الاصطناعي أن يؤدي دور المحفز للتغيير، فيوفر توازنًا ضروريًا أمام التوجه السائد داخل المؤسسة.
فإذا كانت المؤسسة تميل إلى الحذر المفرط، يمكنه أن يؤدي مؤقتًا دور رئيس التحول، ويشجع زملاءه على تحمُّل قدر أكبر من المخاطرة. فعلى سبيل المثال، قد يقترح التوسع بسرعة في تطبيق ذكاء اصطناعي منخفض المخاطر وعالي الأثر، مثل أداة آلية لتوليد العملاء المحتملين أو وكيل لتدوين الملاحظات، إذا أثبت نجاحًا مبكرًا.
وفي المقابل، إذا اندفع الرئيس التنفيذي بقوة نحو الذكاء الاصطناعي من دون هدف واضح للأعمال أو مؤشرات أداء رئيسية (KPIs) لقياس النجاح، يمكن لرئيس الذكاء الاصطناعي إعادة ضبط التوقعات، ووضع أهداف أكثر واقعية، والمساعدة على تحديد المبادرات الجديرة بالاستثمار.
فقد يقنِع، على سبيل المثال، المحللين الماليين بالإبقاء على نموذج قديم قائم على الشبكات العصبية للتنبؤ المالي، بدلًا من استبداله بنموذج لغوي كبير أكثر حداثة، لكنه أقل دقة وأكثر تكلفة.
ولا ينجح هذا التوتر الإيجابي إلا إذا حافظت الإدارة العليا على مستوى مرتفع من الثقة. إذ ينبغي لجميع الأطراف المعنية، وعلى رأسهم الرئيس التنفيذي، أن يكونوا منفتحين على التعليقات والملاحظات، ومستعدين لتعديل السياسات في ضوء الأدلة الجديدة. ومع أن بعض الاختلاف في الآراء قد يُسهم في تعزيز الابتكار، فإن الرئيس التنفيذي ورئيس الذكاء الاصطناعي بحاجة في النهاية إلى التوافق حول مجموعة مشتركة من أهداف الأعمال والعمل على تنفيذها، وإلا فإن المؤسسة قد تظل عالقة في مرحلة التجارب إلى أجل غير مسمى.
وبعيدًا عن التوافق الاستراتيجي، قد يكون من المناسب أيضًا أن يُعيد الرؤساء التنفيذيون ورؤساء الذكاء الاصطناعي النظر في هيكلهم التشغيلي، لأن الذكاء الاصطناعي، كما يقول المستشار التقني Mike Mason، “لا يفعل سوى تسليط الضوء على المشكلات الموجودة أصلًا داخل المؤسسة”.
وأضاف Mason، رئيس الذكاء الاصطناعي السابق في شركة Thoughtworks: “”إذا كانت الحوكمة لديك ضعيفة، أو كانت آلية تحويل استراتيجية الأعمال إلى تنفيذ غير واضحة داخل مؤسستك، فلن يكون الذكاء الاصطناعي هو الحل الذي سيصلح ذلك. أعتقد بالفعل أن الذكاء الاصطناعي سيكشف نقاط الضعف لديك”.
ومن الجوانب التي يجدر البدء بها النظر في مدى تجزئة البنية التحتية الأساسية وتشتتها. ووفقًا لتقرير صادر عن IBV عام 2025، تحقق المؤسسات التي تعتمد نماذج ذكاء اصطناعي مركزية أو تعتمد نموذج المحور والأذرع (Hub and Spoke) عائدًا على الاستثمار (ROI) أعلى بنسبة 36% مقارنةً بالمؤسسات التي تعتمد بنى لامركزية بالكامل.
ويهدف نموذج المحور والأذرع (Hub and Spoke) إلى تحقيق التوازن بين استقلالية الفِرق والإشراف الموحَّد؛ إذ تحتفظ الإدارات بقدر محدود من التحكم والملكية في عمليات نشر الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، بينما يتولى فريق ذكاء اصطناعي مركزي مسؤولية الحوكمة وتوفير الموارد والمراقبة، بدعم من فِرق التطوير وتكنولوجيا المعلومات والأمن الإلكتروني. كما تُظهر أحدث أبحاث IBV أن المؤسسات التي تعمل على أتمتة هذه العمليات تزيد احتمالية نجاحها في توسيع نطاق مبادرات الذكاء الاصطناعي بمقدار 13 مرة.
وقد تتطلب هذه التحولات البنائية أن يمنح الرئيس التنفيذي صلاحيات أكبر إلى رئيس الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك القدرة على إدارة ميزانيات الذكاء الاصطناعي وفرض السياسات المتعلقة به. كما ينبغي للرئيس التنفيذي أن يوضِّح الأولويات للأطراف المعنية، وأن يجسِّد من خلال ممارساته أسلوبًا يركز على اتخاذ قرارات الذكاء الاصطناعي انطلاقًا من سلوكياتهم الخاصة.
تقول Nasif: “إذا لم تتمكن من إيصال هذه الرؤية إلى الجميع، فستظل عالقًا في مرحلة التجزئة؛ لأنك لن تحصل على التأييد والتبنّي الواسع اللذَين تحتاج إليهما للتوسع”.
ومع تطور قدرات الذكاء الاصطناعي واتساع نطاقها، يتغير دور رئيس الذكاء الاصطناعي من الترويج للذكاء الاصطناعي إلى تنفيذه وتنسيق تشغيله. ويتطلب ذلك العمل جنبًا إلى جنب مع الرئيس التنفيذي للحفاظ على تركيز الفِرق بصورة كاملة على نتائج الأعمال، وضمان توافقها من خلال إطار حوكمة قوي، ومواكبة القدرات المتطورة للذكاء الاصطناعي.
يقول Dencik: "هذا هو الدور الذي يتطور إليه رئيس الذكاء الاصطناعي؛ قيادة عملية التحول بدرجة أكبر، بدلًا من الاكتفاء بوضع الاستراتيجية وتحديد حالات الاستخدام. كلما زاد التوافق بين القيادات التنفيذية العليا، وامتد هذا التوافق إلى طريقة عمل المؤسسة نفسها، زادت فرص النجاح في توسيع نطاق الذكاء الاصطناعي مع الحفاظ على الابتكار المستمر".
قائدة ممارسات الذكاء الاصطناعي، IBM Consulting Americas
مدير الأبحاث، IBM Institute for Business Value