في العام الماضي، وبينما كانت مؤسسات علوم الحياة منشغلة بالتعافي من آثار كوفيد-19، اضطرت سريعًا إلى تحويل تركيزها نحو التخفيف من قيود سلاسل التوريد، ومعالجة نقص العمالة والمهارات، ثم مواجهة الضغوط التضخمية بنهاية العام — وهي تحديات زادتها حدّةً الحرب بين روسيا وأوكرانيا.
إلى جانب هذه التحديات، سيستمر السعي لخفض التكاليف، وتحسين الكفاءة والإنتاجية، والارتقاء بجودة اتخاذ القرار، وتقليل المخاطر في تعزيز استثمارات شركات الأدوية في السحابة، والذكاء الاصطناعي/التعلم الآلي، والتحليلات، والأتمتة خلال عام 2023 رغم ارتفاع أسعار الفائدة.
يتعيّن على المؤسسات إعادة النظر في نماذج أعمالها لخدمة مجموعة متنوّعة من الأهداف الاستراتيجية، وسيلعب الذكاء الاصطناعي دورًا متزايد الأهمية في جميع هذه الأهداف، من دعم اكتشاف الأدوية وتنوّع التجارب السريرية، إلى التنبؤ ووظائف سلاسل التوريد، مرورًا بدعم التفاعل والالتزام في التجارب السريرية اللامركزية وأنظمة العلاج المتداولة في السوق. وستمهّد هذه التحوّلات الطريق لمزيد من التغيّر في هذا القطاع مع اتّساع إتاحة العلاج الجيني وحلول الصحة الدقيقة.
يُمارس قانون خفض التضخّم لعام 2022 ضغوطًا على الشركات لخفض أسعار الأدوية والأجهزة في الولايات المتحدة الأمريكية، مما يدفع شركات الأدوية إلى الاستفادة من التقنية لتعزيز كفاءة التكاليف والحفاظ على هوامش الربح. وعلى الصعيد العالمي، يضيف الجدل المتغيّر حول السياسات المرتبطة بإتاحة الأدوية المحمية ببراءات اختراع وإمكانية تحمّل تكلفتها مزيدًا من الضغوط. وستؤدي بيئة يسودها التضخّم إلى إبطاء أنشطة البحث والتطوير التقليدية، ولن تترك أمام شركات الأدوية خيارًا سوى التوسّع في اعتماد الذكاء الاصطناعي/التعلم الآلي والتقنيات المرتبطة بهما لتسريع اكتشاف الأدوية وإعادة توظيفها مع خفض التكاليف. كما سيحفّز ذلك شراكات جديدة (مثل تعاون شركات الأدوية مع المختبرات البحثية أو تعاون مزوّدي الخدمات مع جهات السداد) بالاستفادة من التعلّم الموحّد (federated learning) والأنظمة الرقمية القائمة على السحابة ضمن النظام البنائي.
وستستمر تكاليف التصنيع والتجارب السريرية في الارتفاع. وقد ارتفعت تكلفة المكوّنات الدوائية الفعّالة بنسبة تصل إلى 70% منذ عام 2018. ولا يزال استقطاب المرضى في مواقع إجراء التجارب والحفاظ على التجارب السريرية في الموقع مكلفًا إلى حدّ كبير. وستركّز شركات الأدوية على استقطاب المرضى رقميًا عبر الإعلانات على القنوات الاجتماعية وقنوات التفاعل الرقمي (بما في ذلك الأجهزة القابلة للارتداء) طوال فترة التجارب، لإدارة مستويات الالتزام بخطط العلاج والاستمرار فيها. ستدفع هياكل التجارب السريرية اللامركزية شركات الأدوية إلى إيلاء مزيد من الاهتمام بالأمن الإلكتروني وبالمعلومات الصحية المحمية (PHI)، مع الحرص في الوقت نفسه على إدارة التكاليف المرتبطة بذلك.
وسترتفع تكاليف تشغيل منشآت التصنيع مع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة. ونتوقّع أن تحرز الشركات تقدّمًا كبيرًا في مسار الرقمنة بهدف خفض التكاليف، وتحسين الجودة، وتقليل عمليات سحب المنتجات من السوق، وتعزيز مستويات السلامة. ولن تعود المرافق غير الرقمية، القائمة على العمليات اليدوية المعتمدة على عمالة مرتفعة التكلفة، هي النموذج السائد في الصناعة.
ينبغي أن تتصدّر إعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية أجندة الإدارة العليا. في العام الماضي، انسحبت كلٌّ من Pfizer وGSK من قطاع صحة المستهلك لإعطاء الأولوية لتطوير الأدوية واللقاحات الجديدة ودعم الابتكار الأساسي. وشهدنا عمليات اندماج واستحواذ انتقائية لتجديد خطوط تطوير المنتجات، ومن المتوقّع استمرار هذا النهج في عام 2023. وقد انفصلت Novartis عن Sandoz، ذراعها المتخصّص في الأدوية الجنيسة، وتركّز الآن جهودها البحثية بصورة أكبر على الأدوية المبتكرة. كما تعيد Sanofi وعملاق الأدوية الجنيسة Sun Pharmaceuticals تموضعهما لدخول مجال الأدوية المتخصّصة، حيث طرحت Sun Pharmaceuticals علاجًا حيويًا جديدًا عالي التنافسية لمرض الصدفية.
وتدرك الشركات اليوم أن اختلاف نماذج الأعمال أصبح ضرورة؛ فشركات الأدوية المبتكرة تحتاج إلى استثمارات رأسمالية كبيرة لدعم أبحاث متقدّمة تقودها تقنيات جديدة، في حين تتطلّب نماذج أعمال الأدوية الجنيسة وصحة المستهلك حجمًا تشغيليًا ضخمًا، ونفاذًا واسعًا إلى قنوات التوزيع، وشراكات وثيقة مع سلاسل الصيدليات. ومع ارتفاع مستوى المخاطر مقابل العائد لدى الجهات المبتكرة، ستتجه الشركات بشكل أكبر إلى عقد شراكات بحثية وتقنية تجمع بين أفضل الكفاءات وأحدث تقنيات الحوسبة، بدلًا من الاعتماد أساسًا على صفقات الاندماج أو الاستحواذ المباشرة.
أدّت الاضطرابات التي سببتها جائحة كوفيد-19 إلى رفع وعي قادة شركات الأدوية بأهمية الصمود في إيصال الأدوية والعلاجات المبتكرة إلى المجتمعات، مما يؤكد ضرورة الاستثمار في قدرات التنبؤ وفي سلاسل التوريد.
Forecasting
ولا يزال التنبؤ يمثل تحديًا رئيسيًا لدى العديد من المؤسسات. ووفقًا لدراسة حديثة صادرة عن معهد IBM Institute for Business Value (IBV)، يرى 57% من الرؤساء التنفيذيين (CEOs) أن المدير المالي (CFO) سيؤدي الدور الأهم في مؤسساتهم خلال العامين إلى الثلاثة أعوام المقبلة. إن قِدم العمليات، وتقلب الطلب، وتزايد حجم البيانات وتعقيدها جميعها عوامل تفرض تبنّي نهج جديد. وتفضي دورات التنبؤ الفصلية التقليدية (التي تعتمد على إجراءات يدوية مرهقة) إلى توقّعات غير دقيقة.
ستستثمر الشركات الرائدة في الذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي، ومهام سير العمل الذكية لتوفير قدرات تنبؤ شاملة من البداية إلى النهاية، تعتمد على تدفّقات بيانات آنية من مصادر متعددة، وتستفيد من مئات نماذج الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي لتقديم توقّعات أكثر تفصيلًا ودقة ورؤى أعمق عن العملاء. وستُعيد هذه القدرات تشكيل دور وحدات المالية جذريًا من خلال التركيز على سرعة استخلاص الرؤى، واعتماد اتخاذ القرار القائم على البيانات، وتوسيع نطاق التحليلات داخل المؤسسة.
سلسلة التوريد
وسيركّز قادة الأعمال على حلول لسلسلة التوريد تعزّز الشفافية عبر مراحل التوريد والتصنيع والتسليم واللوجستيات، مع الحد من التكاليف والهدر والوقت. ويعمل مديرو سلاسل التوريد التنفيذيون (CSCOs) على تحديث عمليات سلسلة التوريد باستخدام الذكاء الاصطناعي للاستفادة من البيانات غير المنظمة في الوقت الفعلي، ودمج الأتمتة وتقنية سلسلة الكتل والحوسبة الطرفية لإدارة العمليات وجمع وربط المعلومات عبر مصادر متعددة.
وفي أعقاب كوفيد-19، نلحظ أن القادة باتوا ينظرون إلى سلسلة التوريد بوصفها وظيفة تنظيمية محورية، لا مجرد وظيفة مساندة. يقول David Volk، المدير التنفيذي لتخطيط سلسلة التوريد السريرية في Roche: "نحن مؤسسة مترابطة... ونتعاون اليوم على نطاق أوسع بكثير مع جميع شركائنا ومع القطاع ككل. ونرى أنفسنا مؤسسة تُدار بمنطق سلسلة التوريد، وجزء كبير من القيمة التي نقدّمها للمرضى يكمن في تحسين سلسلة التوريد العالمية لدينا وإدارة المخزون. هذه عقلية مختلفة تمامًا، وقد غيّرت الطريقة التي ندير بها المؤسسة."
كما تُصنف استدامة سلسلة التوريد من بين أعلى الأولويات بالنسبة إلى الرؤساء التنفيذيين (CEOs). ويقول 48% من الرؤساء التنفيذيين (CEOs) الذين شملهم الاستطلاع إن تعزيز الاستدامة يمثّل أولوية قصوى، بزيادة قدرها 37% منذ عام 2021. ويشير 44% منهم إلى أن نقص الرؤى المستندة إلى البيانات يُعَد عائقًا أمام تحقيق أهداف الاستدامة. إن الرؤية الشاملة لتأثير الاستدامة، مثل مقاييس الانبعاثات والنفايات من مرحلة المواد الخام حتى التسليم، ستوفّر مستوى جديدًا من المعلومات، وتُرسِّخ مكانة المديرين التنفيذيين لسلاسل التوريد (CSCOs) كعوامل تمكين رئيسية لمساعدة الشركات على تحقيق رؤيتها في الاستدامة والممارسات البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات (ESG).
العلاج الجيني يمثّل أفقًا جديدًا في عالم الطب. ويركّز على استهداف جينات الشخص لتعديلها بهدف علاج الأمراض أو الشفاء منها، بما في ذلك السرطان والأمراض الوراثية والأمراض المعدية. وقد اعتمدت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) أول علاج جيني في الولايات المتحدة عام 2017. ومنذ ذلك الحين، تمت الموافقة على أكثر من 20 منتجًا من منتجات العلاجات الخلوية والجينية.
وبحسب تحالف Alliance for Regenerative Medicine، قد نشهد في عام 2023 طرح خمسة علاجات جينية إضافية للأمراض النادرة في السوق الأمريكية، من بينها علاجات جديدة لمرض فقر الدم المنجلي، وضمور العضلات الدوشيني (Duchenne muscular dystrophy)، ومرض الهيموفيليا.
وستدفع هذه العلاجات منظمات علوم الحياة إلى إعادة التفكير في نماذج أعمالها. كيف ستتمكّن من تحديد المرضى المؤهَّلين لتلقّي هذه العلاجات بكفاءة؟ وكيف ستُدار عملية الحصول على دم المريض كجزء من بروتوكول العلاج؟ وكيف ستُبرم تعاقداتها مع الجهات الدافعة لتسوية مبالغ السداد، مع أن تكلفة العلاج الواحد قد تتجاوز 3 ملايين دولار؟ وكيف ستتابع نتائج العلاج في إطار الاتفاقيات القائمة على النتائج؟ هذه الأسئلة وغيرها الكثير — ممّا يمتد من نماذج السداد وتجربة المستهلك إلى سلسلة التوريد والتصنيع — ستحتاج جميعها إلى إجابات واضحة.
أحد العوامل الرئيسة وراء نمو العلاجات الجينية واعتماد الصحة الدقيقة هو التوسع في استخدام تقنيات تسلسل الحمض النووي المتطوّرة (NGS) وسهولة الوصول إليها. ومع مرور الوقت سيزداد انتشار تقنية NGS لتُستخدَم خارج حدود المختبرات، لتقديم رعاية أفضل للمرضى وتحسين نتائج العلاج على نطاق واسع. توفر تقنيات NGS إنتاجية فائقة، وقابلية عالية للتوسع، وسرعة كبيرة، وقد أحدثت نقلة نوعية في هذا المجال من خلال تمكين مجموعة واسعة من التحليلات عبر تطبيقات متعددة على مستوى لم يكن ممكنًا من قبل. ويشمل ذلك إتاحة تسلسل الجينوم الكامل بأسعار عملية وفي متناول الباحثين والعلماء والأطباء والمرضى. ومن الأمثلة على ذلك جهاز التسلسل Illumina NovaSeq X الذي طُرح في سبتمبر 2022، ويقدّم ضعف سرعة النماذج السابقة، وقادر على تسلسل 20,000 جينوم سنويًا بتكلفة 200 دولار للجينوم الواحد. ومع استمرار انخفاض تكلفة تسلسل الجينومات، ستتزايد القدرة على دعم الرعاية الصحية الشخصية والعلاج الجيني على نطاق واسع.
وقد كشفت جائحة كوفيد-19 عن حدود التجارب السريرية التقليدية، وأدّت إلى تسريع تبنّي نماذج التجارب السريرية اللامركزية (DCTs). وتبرز حاجة واضحة إلى تحسين تصميم الدراسات بحيث تُتاح الفرصة لمشاركة شرائح سكانية أوسع وأكثر تمثيلًا وإنصافًا. ستساعد التقنيات الجديدة في دمج نقاط بيانات المرضى واستخلاص رؤى شاملة غير مسبوقة. ستُكثِر منظمات علوم الحياة من الاعتماد على التجارب السريرية اللامركزية (DCTs) لإجراء دراسات عالمية وتسريع طرح العلاجات الجديدة في السوق. ونتوقع عددًا قياسيًا من هذه التجارب اللامركزية في عام 2023.
تشمل أبرز مزايا التجارب السريرية اللامركزية (DCTs) ما يلي:
ومع التوسع في تبنّي التجارب السريرية اللامركزية، سيصبح تصميم الدراسات انطلاقًا من تجربة المريض عاملًا حاسمًا لضمان تواصل واضح وشفاف ومشاركة طوعية وفعّالة. ويمكن أن توفّر منهجيات مثل Enterprise Design Thinking إطار عمل عمليًا لهذا الغرض. وبالمثل، فإن دمج بيانات المرضى الواردة من مصادر متعددة — مثل السجلات الصحية والطبية الإلكترونية، ومنصات جمع البيانات الإلكترونية، وأنظمة إدارة البيانات السريرية، والأجهزة القابلة للارتداء، وسائر التقنيات الرقمية — سيتطلّب نهجًا أكثر انفتاحًا في مشاركة المعلومات.
ستتيح حوسبة Quantum قدرات أكثر تقدّمًا للتجارب السريرية اللامركزية (DCTs) في مجالات استقطاب المشاركين، واختيار مواقع التجارب، وتحسين الخطط، ومراقبة المرضى. إذ يمكن للخوارزميات المعتمدة على Quantum أن تتفوّق على الخوارزميات التقليدية، مما يتيح تحليلاً أدقّ وأكثر شمولًا لبيانات المرضى المتكاملة على نطاق واسع.
وفي الأعوام المقبلة، ستغدو التجارب السريرية اللامركزية هي النموذج السائد، بما يعزّز القدرة على استقطاب المشاركين واختيارهم وتنفيذ التجارب السريرية على نطاق واسع، ويضمن تمثيلًا أوسع لمختلف الفئات السكانية، ويسرّع اعتماد العلاجات المنقِذة للحياة وطرحها في الأسواق.
يواصل نهج اكتشاف الأدوية المدعوم بالذكاء الاصطناعي اكتساب الزخم وتحقيق إنجازات محورية. تم الإعلان عن أول دواء مُرشَّح صُمِّم باستخدام الذكاء الاصطناعي ودخل التجارب السريرية من جانب Exscientia في مطلع عام 2020. ومنذ ذلك الحين، أعلنت شركات مثل Insilico Medicine وEvotec وSchrödinger عن بدء تجارب من المرحلة الأولى. كما جرى تسريع التطوير السريري لعدد من هذه المرشحين بفضل حلول مدعومة بالذكاء الاصطناعي. وفي شركات الأدوية التي تركّز على الاكتشافات القائمة على الذكاء الاصطناعي، تتوافر معلومات علنية عن قرابة 160 برنامج اكتشاف، يُقال إن 15 منتجًا منها قيد التطوير السريري.
قد يظن بعض التنفيذيين أن بإمكانهم "الحصول على الذكاء الاصطناعي" ببساطة عبر أداة في السحابة العامة أو من خلال فريق واحد فقط. لكن خبرتنا في العمل مع شركات علوم الحياة تُبيّن أن الواقع أبعد ما يكون عن هذه البساطة. فاستخلاص القيمة الكاملة من الذكاء الاصطناعي يتطلّب إعادة تشكيل شاملة لعملية الاكتشاف، تشمل تقنيات جديدة، وكفاءات جديدة، وأنماط عمل جديدة في مختلف أقسام البحث والتطوير.
وتحقق عملية الاكتشاف المدعومة بالذكاء الاصطناعي قيمة عبر أربعة أبعاد رئيسية: تحديد الهدف البيولوجي الأمثل، وتصميم جزيء صغير كمرشح قبل سريري، وتحسين معدلات النجاح، وتسريع وتيرة العمل ورفع كفاءته الإجمالية.
البحث عن أهداف بيولوجية جديدة
نرى مجتمع الباحثين وعلماء الصناعة يعملون على دمج البيانات متعددة الأوميكس (multiomics) مع البيانات السريرية، مستفيدين من تقنيات التعلم الآلي لدعم إعادة توظيف الأدوية. وباستخدام البيانات التجريبية وتحليل الأدبيات العلمية، يصبح من الممكن كشف مسارات مرضية جديدة، إلى جانب تفاعلات متعدّدة الأدوية وتفاعلات البروتينات. وقد يوفّر توظيف الذكاء الاصطناعي في تقنيات التصوير الطبي، وغيرها من تقنيات التشخيص التي تحلّل المظاهر بدقة، فرصًا واعدة لاكتشاف أهداف بيولوجية جديدة. يسعى بعض عملائنا إلى فهم تفاعلات البروتين، ووظائفه، وحركته، باستخدام تقنيات الحوسبة التقليدية إلى جانب حوسبة Quantum.
الاستفادة من أساليب جديدة لاكتشاف جزيئات جديدة
باستخدام تقنيات بحث عميق، أصبح من الممكن اليوم التنقيب في الأدبيات البحثية والبيانات التجريبية المنشورة للتنبؤ بهياكل جزيئات صغيرة جديدة وسلوك هذه الجزيئات. ويمكن الاستعانة بهذه التقنيات وغيرها للتنبؤ بالخصائص الحركية الدوائية والديناميكية الدوائية، والمساعدة في كشف التأثيرات غير المستهدفة.
استكشف إمكانات حوسبة Quantum
منذ عام 2020، شهد مجال علوم الحياة العديد من الأنشطة والتجارب المرتبطة بتقنيات Quantum، شملت الجينوميات، والبحث السريري والاكتشاف، والتشخيص، والعلاجات والتدخلات الطبية. وقد استُخدم التعلم الآلي المدعوم بتقنيات Quantum، والمدرَّب على مجموعات بيانات سريرية وواقعية متنوّعة، في توليد كيانات جزيئية جديدة، ودعم التشخيص، والتنبؤ بفعالية العلاجات، وتخصيص خطط العلاج الإشعاعي.
لمقدّمي الرعاية الصحية
بلغت الزيارات التقليدية وجهاً لوجه لمقدّمي الرعاية الصحية (HCPs) حدَّها الأقصى من حيث الفاعلية. بات مقدّمو الرعاية الصحية يتوقعون أساليب تواصل مخصَّصة وإمكانية الوصول الفوري إلى المعرفة. لقد أدّى تشديد الرقابة من الجهات التنظيمية، إلى جانب جائحة كوفيد-19، إلى إرباك النمط التقليدي الذي كان فيه مندوبو المبيعات يتردّدون باستمرار على عيادات الأطباء والمستشفيات وكأنها مقرّهم الثاني. ونشأ في المقابل نموذج للمشاركة الافتراضية، لكنه ما زال أقل فاعلية بصيغته الحالية.
وفي الوقت نفسه، تدرك شركات الأدوية قيمة تبنّي استراتيجية تفاعل متعددة القنوات مع مقدّمي الرعاية الصحية؛ إذ تُظهر تحليلاتنا زيادة في رضا مقدّمي الرعاية الصحية عن التجربة الجديدة بنسبة تتراوح بين 5 و10%، وتحسّناً في كفاءة الإنفاق التسويقي بنسبة 15 إلى 25%، وارتفاعاً في عدد الأطباء الموصين النشطين بنسبة 5 إلى 7%، وزيادة في الإيرادات المتكرّرة تصل إلى 15% بحسب طبيعة المؤشِّر العلاجي.
تمتلك شركات الأدوية بيانات كافية عن بعض منتجاتها تتيح لها تقديم تجربة مخصَّصة لمقدّمي الرعاية الصحية (HCPs). ويحقّق النهج القائم على التحليلات والذكاء الاصطناعي في التفاعل مع الأطباء أعلى أثر، إذ يعزّز سرعة اتخاذ القرار لديهم ويرفع مستوى اطّلاعهم على أحدث الأدلة السريرية. وتُعدّ استراتيجيات التقنية والبيانات الواضحة، إلى جانب برامج إدارة التغيير وتحديد المواهب، من العناصر الحاسمة لنجاح هذا النهج.
للمرضى
يُشكِّل التقيّد بالعلاج والاستمرار عليه تحدّياً رئيسياً في قطاع يخدم أعداداً كبيرة من مرضى الأمراض المزمنة. "ومع نماذج السداد الجديدة، باتت الجهات الدافعة تحفّز حالات العلاج "المكتملة" التي تحقق استقراراً طويل الأمد للحالة المرضية أو، في الحالات الحادّة، تعافياً وظيفياً للمريض." ولكي تستمر الشركات في بيع الأدوية وتحصيل مستحقّاتها، يتعيّن على المرضى المواظبة على تناول العلاجات الموصوفة لهم. وفي كثير من الحالات المرضية، تتوفر أمام المرضى خيارات دوائية متعدّدة. وستتميّز الشركات الأكثر نجاحاً في السوق من خلال إتاحة دعم رقمي يرافق أدويتها، يشرك المرضى في رحلتهم العلاجية عبر هواتفهم الذكية باستخدام برامج "gamification" وبرامج الحوافز.
فالذكاء الاصطناعي يمثّل الأساس الذي تستند إليه الاتجاهات المذكورة أعلاه. ورغم أنّ تقنية الذكاء الاصطناعي موجودة منذ عقود، فإن وتيرة تبنّيها في علوم الحياة تسارعت خلال السنوات الأخيرة، ما أثّر في تطوير الأدوية، والتجارب السريرية، وسلاسل التوريد. وأصبح الذكاء الاصطناعي حاضراً في الكثير من تفاعلاتنا اليومية؛ من الاتصال بشركة طيران لإعادة حجز التذاكر، وطلب تشغيل الموسيقى أو الإضاءة من Alexa، والحصول على موافقة قرض، وصولاً إلى تقديم توصيات علاجية آلية للمرضى استناداً إلى سجلاتهم السريرية وأحدث الإرشادات العلاجية.
ومع استمرار تزايد حضور الذكاء الاصطناعي في حياتنا، ستتقدّم قضايا الحوكمة والرقابة إلى صدارة الاهتمام. تعتبر كلٌّ من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أن تنظيم الذكاء الاصطناعي شرطٌ أساسي لتطوير أدوات يمكن للمستهلكين الوثوق بها. ينبغي لشركات علوم الحياة أن تستوعب تأثير لوائح الذكاء الاصطناعي في نماذج أعمالها، وأن تمارس دورًا استباقيًا في التأثير في هذه السياسات بما يخدم تحقيق نتائج أفضل للمرضى.
فعلى سبيل المثال، ينتهج "IBM Policy Lab" نهجًا استباقيًا في تزويد صنّاع السياسات برؤية واضحة وتوصيات عملية تساعدهم على تسخير مزايا الابتكار مع الحفاظ على عنصر الثقة في عالم تعيد البيانات تشكيله. وتتعاون IBM مع المؤسسات وصنّاع السياسات لمشاركة رؤيتها والمساهمة في دعم الابتكار المسؤول. ومن بين هذه المبادرات "Blueprint for an AI Bill of Rights" الصادر عن إدارة Biden-Harris في سبتمبر 2022. وكما يرد في الوثيقة: "تمتلك أنظمة الذكاء الاصطناعي القدرة على تحقيق فوائد مجتمعية هائلة، لكن ذلك مشروطٌ بأن نبذل الجهد اللازم لضمان أن تكون منتجات وخدمات الذكاء الاصطناعي آمنة ومحصَّنة، ودقيقة، وشفافة، وخالية من التحيزات الضارّة، وجديرة بالثقة من جميع الجوانب." وتحدّد الوثيقة خمسة ضمانات أساسية ينبغي أن تتوافر لكل فرد في الولايات المتحدة عند تصميم تقنيات الذكاء الاصطناعي وغيرها التقنيات المؤتمتة وتطويرها ونشرها:
لا تتباطأ وتيرة تطبيق الذكاء الاصطناعي، وكذلك لا تخف حدّة التدقيق في استخدامه. وستتميّز مؤسسات علوم الحياة بتعزيز حضورها الفاعل في النقاشات المحيطة بالذكاء الاصطناعي. وستسعى هذه المؤسسات إلى التأثير في سياسات الصحة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وتقديم حلول أخلاقية ومسؤولة مدعومة بالذكاء الاصطناعي تعزّز محفظة منتجاتها الحالية، وتُحسّن تجارب المرضى ومقدّمي الرعاية ونتائج الرعاية الصحية، مع خفض التكاليف.
يمكن لشركات علوم الحياة، وخاصة شركات الأدوية وشركات التكنولوجيا الحيوية، أن تُثبت قدرتها على الصمود رغم ضغوط التضخم. وعليها أن تركّز على تمييز نماذج أعمالها بين الابتكار والاختراع من جهة، والأدوية الجنيسة، وصحة المستهلك من جهة أخرى. ويمكن للطلب القوي أن يساعد هذه الشركات على تجاوز التحديات التشغيلية، ووضع القطاع على مسار نمو مستدام تقوده الابتكارات. ومن الضروري استثمار التقنيات الجديدة، ولا سيما أحدث تقنيات الحوسبة والذكاء الاصطناعي، لتحقيق تطورات جوهرية قد تمثّل تحوّلًا جذريًا في اكتشاف الأدوية، وتحسين اختيار مواقع التجارب السريرية وإدارتها، وفي نهاية المطاف في أساليب التفاعل مع الشخص متلقّي الرعاية. إن اتخاذ خطوات جريئة في عام 2023، بالاستناد إلى استراتيجية واضحة المعالم ومحدّدة الأولويات، من شأنه أن يضع مؤسسات علوم الحياة الراسخة والوافدين الجدد على الطريق الصحيح. وستكون الشركات التي تُحسن الجمع بين وضوح الاستراتيجية وتركيزها على الابتكار هي المستفيد الأكبر.