سلسلة الكتل (البلوك تشين) والفئات التي لا تمتلك حسابات بنكية: تغييرات قادمة في التمويل العالمي

منظر جانبي لرجل أعمال أو متداوِل ناجح يرتدي ملابس رسمية ونظارات، يعمل على مخططات وتقارير حول السوق عبر شاشات كمبيوتر في مكتبه العصري.

ربما أصبحت العملات المشفرة معروفة بشكل أكبر بتقلباتها الجامحة وارتباطاتها السلبي بالاحتيال في الآونة الأخيرة، لكن يجدر بنا أن نتذكر الإمكانات التي تمتلكها العملات الرقمية كأداة قوية لتحقيق المنفعة. فهناك أكثر من 1.7 مليار شخص حول العالم لا يستطيعون الوصول إلى أي شكل من أشكال البنية التحتية المصرفية، رغم أن العديد منهم يمتلك هواتف محمولة. وفي مقال كتبه لمجلة Forbes، اقترح Robert Anzalone أن "العملة المستقرة يمكن أن تصبح طريقًا لغير المصرفيين لإنشاء تخزين مستقر للقيمة النقدية والتبادل. فإذا ما زاد الوصول إلى التكنولوجيا الرقمية في جميع الدول، فقد تكون النتيجة بالنسبة لمن لا يملكون حسابات مصرفية وللفقراء هي تبني واسع النطاق للعملات المشفرة كبديل عن المنظومات المتكاملة المالية المحلية الأقل مرونة."

نظرًا لأن العملات المستقرة مرتبطة بأصول ملموسة كالذهب أو الدولار الأمريكي، فهي مصممة للحفاظ على قيمة ثابتة مثالية للاستخدام اليومي. وقد قوبلت فكرة العملة التي تعمل على تعزيز الشمول المالي بتشكيك كبير من قبل المعلقين الماليين في جميع أنحاء العالم. لكن هل يمكن لفكرة توفير الحلول المالية القائمة على تقنية سلسلة الكتل (البلوك تشين)، للمواطنين الذين لا يملكون حسابات مصرفية في كل أنحاء العالم، أن تحمل قيمة حقيقية؟

أدرجت صحيفة فاينانشيال تايمز عيبًا رئيسيًا في التأثير المحتمل الذي يمكن أن تُحدثه العملات المستقرة على الذين لا يملكون حسابات مصرفية استنادًا إلى حقيقة أن أكثر من ثلث المدرجين، ممن لا يملكون حسابات مصرفية، هم في هذا الوضع بسبب عدم امتلاكهم ما يكفي من المال لفتح حساب مصرفي. فإذا كان 34% ممن لا يملكون حسابات مصرفية غير قادرين على فتح حساب، فإن ذلك يزيل جزءًا كبيرًا من السوق الذي يضم 1.7 مليار شخص فورًا. ومع ذلك، لا يزال هناك عدد كبير من المستخدمين المحتملين الذين قد يستفيدون من أحد أشكال الخدمات المصرفية الرقمية. ولا يزال موضوع الشمول المالي مثارًا للجدل في جميع أنحاء العالم. وفي الواقع، تشير أهداف الأمم المتحدة السبعة عشر للتنمية المستدامة إلى الشمول المالي باعتباره عامل تمكين.

بعد الضجة الكبيرة التي أحاطت بإعلانها الأولي، يبدو من المرجح بشكل متزايد أن العملة لن تكون قادرة على الوفاء بوعدها بتقديم حلول مالية لفئات السكان الذين لا يملكون حسابات مصرفية، لكن هذا لا يُخرج تقنية سلسلة الكتل (البلوك تشين) من الحسبان. فهل يمكن أن تساهم التكنولوجيا بشكل كبير في سد الفجوة بين التمويل وبين الذين لا يملكون حسابات مصرفية؟ دعونا نلقِ نظرة أعمق على الكيفية التي من خلالها يمكن لسلسلة الكتل (البلوك تشين) أن تُحدث ثورة في الخدمات المصرفية العالمية:

مدى أهمية الفئات التي لا تملك حسابات مصرفية

هناك رغبة في التغيير، مُسلَّم بها على نطاق واسع، عندما يتعلق الأمر بالنظر إلى احتياجات المواطنين في المناطق المحرومة في جميع أنحاء العالم. وقد أشار بعض قادة التكنولوجيا المؤثرين مثل Bill Gates بشكل جلي إلى المشكلة وأبرزوا الفوائد المرجو تحقيقها إذا نجحنا في إيجاد حل واقعي. وفيما يتعلق بمن لا يملكون حسابات مصرفية، قال Bill Gates: "إن إدماج الفئات الأشد فقرًا في المنظومة المالية المتكاملة يزيد من قيمة أصول هذه الفئات، ويُحوِّل الاقتصاد الأساسي للخدمات المالية من خلال العملة الرقمية — مما يساعد أولئك الذين يعيشون في فقر بشكل مباشر".

وتكمن أهمية توفير الخدمات المصرفية لمن لا يملكون حسابات مصرفية في أنها تشكل خطوة حيوية في انتشال هذه الفئات من الفقر. وتعتمد التسهيلات المالية والحسابات المصرفية على تقديم المستخدمين لأنواع صالحة من وثائق الهوية، بالإضافة إلى الوصول إلى بنية تحتية تسمح لهم بتخزين أموالهم. والمشكلة الرئيسية هي أنه لا يبدو أن هذه مشكلة ستحل نفسها بشكل طبيعي دون اتخاذ شكل من أشكال الإجراءات المباشرة.

من أهم المشكلات التي تؤثر على العديد من الأشخاص الذين لا يستطيعون الوصول إلى الخدمات المصرفية عدم امتلاكهم إثبات هوية رسمي. فمن دون بطاقات هوية صالحة، لا تتوفر إلا فرص قليلة جدًا للفئات التي لا تملك حسابات مصرفية لبناء سجل ائتماني يمكن أن يمهد الطريق لأي شكل من أشكال القروض. وبدون القروض الاستثمارية التي تحقق أرباحًا من خلال الإنتاج، لن تتبقى سوى خيارات قليلة جدًا أمام المواطنين الذين لا يملكون حسابات مصرفية للخروج من تراكم الديون المتسلسلة ومن الفقر.

هل يمكن أن توفر تقنية سلسلة الكتل (البلوك تشين) حلًا موثوقًا به؟

تُعتبر البنوك ضرورة لا غنى عنها عندما يتعلق الأمر بتحقيق الشمول المالي لأجزاء كبيرة من سكان العالم الذين لا يملكون حسابات مصرفية حتى يومنا هذا. وتشمل المناطق الأكثر حرمانًا 80% من سكان دول جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا، و67% من البالغين في الشرق الأوسط، و65% من سكان أمريكا اللاتينية، وأكثر من 870 مليون فرد في شرق وجنوب شرق آسيا. وإذا أضفنا إلى هذا المزيج 60 مليون شخص بالغ في دول غرب أوروبا وأمريكا الشمالية الذين لا يملكون حسابات مصرفية، فإن النطاق الكامل للمشكلة يصبح أكثر وضوحًا.

إن توفير بنية تحتية مالية لمن لا يملكون حسابات مصرفية مليء بالمخاطر بالنسبة للعديد من البنوك. فالتكاليف المرتبطة بهذه المساعي مرتفعة، ولا توجد ضمانات بوجود عائد على الاستثمارات. وهنا يأتي دور تكنولوجيا لديها القدرة على التدخل، مثل سلسلة الكتل (البلوك تشين)، حيث تخشى البنوك من خوض مغامرة جديدة. ومن المنطقي أن ننظر إلى تقنية سلسلة الكتل (البلوك تشين) باعتبارها أفضل أمل يُرجى في الوقت الحالي لتحقيق الشمول المالي في أجزاء محرومة من العالم كانت فكرة تنفيذ بنية تحتية مالية فيها تبدو مجرد حلم بعيد المنال.

ليس هناك شك في جدارة سلسلة الكتل (البلوك تشين) وسجل الإنجازات المالية التي حققتها. فعلى الرغم من وجود تساؤلات تحيط بظهور العملات الرقمية الجديدة، إلا أن هذه التقنية كانت عنصرًا أساسيًا في الصعود الهائل لعملة البيتكوين واكتسابها الشهرة في عام 2017، كما أن مستويات سهولة الوصول العالية التي تتمتع بها تعني وجود إمكانات قوية لجلب الخدمات المصرفية للمواطنين المحرومين على نطاق واسع. ويعني المستوى العالي من الأمان داخل شبكات سلسلة الكتل (البلوك تشين) أن هذه التقنية يمكنها إعداد المعاملات المالية بسرعة وكفاءة دون حاجة إلى تدخل أي جهات وسيطة لإنجاز المدفوعات والتحويلات الدولية.

يضمن الهيكل غير القابل للتغيير لسلسلة الكتل الخصوصية للعملاء السلامة أثناء إجراء المدفوعات أو استلامها. فما دام العميل قادرًا على الوصول إلى جهاز يمكنه من خلاله الوصول إلى المحافظ الإلكترونية، فإن التكاليف المرتبطة بتشغيل التكنولوجيا ستظل ضئيلة. وهناك أيضًا الكثير من المحافظ المتاحة التي تم تصميمها لتكون فعالة على سلاسل الكتل مثل Ethereum.

الأهم من ذلك كله، أن تقنية سلسلة الكتل (البلوك تشين) تسمح للمستخدمين بحمل هويتهم الرقمية الملموسة معهم عندما يقومون بتحويل أموال على نطاق محلي ودولي. وتتفوق هذه التقنية بشكل أساسي في المناطق التي كانت يصعب أو يستحيل على البنوك التقليدية أن تصل إليها.

سلسلة الكتل (البلوك تشين) هي التي تقود التغيير

يكمن تميُّز سلسلة الكتل (البلوك تشين) في أنها قادرة على جعل الأمور التي كانت تبدو مستحيلة قبل جيل مضى قابلة للتحقيق ومنطقية تمامًا في الوقت الحاضر. فلم يكن من الممكن أن تجتاح عملة البيتكوين العالم لولا إطار عمل سلسلة الكتل (البلوك تشين) الخاص بها، والآن يتم استكشاف التكنولوجيا الأساسية الخاصة بها في عدد من القطاعات والصناعات.

تظهر الإحصاءات أن عددًا كبيرًا من المجتمعات في كل أنحاء العالم لا يزال تعاني من نقص في البنية التحتية المالية. ولعل ظهور العملات المستقرة الخوارزمية، التي يمكن استخدامها بالكامل على حسابات آمنة ونقلها دوليًا، هو الحل العملي الوحيد الذي لدينا الآن لتحقيق التقدم. حيث تسمح الخوارزمية للمستخدمين بدعم العملة المستقرة من خلال آلية إعادة رسملة الحسابات التي تنقصها الضمانات، والحصول في الوقت نفسه على عمولة محددة. ولحسن الحظ، هذا خيار جيد وحل مضمون.

رغم أنه لم تتوفر بعدُ عملة مشفرة تساعد الفئات الأقل حظًا والمحرومة على إدارة شؤونها المالية، إلا أن سلسلة الكتل (البلوك تشين) قادرة تمامًا على إيجاد بيئة يمكنها أن تحقق أخيرًا الشمولية في الخدمات المصرفية.

من حين لآخر، ندعو قادة الفكر في الصناعة والخبراء الأكاديميين والشركاء لمشاركة آرائهم وأفكارهم حول أحدث توجهات سلسلة الكتل في مدونة Blockchain Pulse. وعلى الرغم من أن الآراء الواردة في هذه المدونات تعبّر عن أصحابها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر IBM، فإن هذه المدونة تسعى إلى الترحيب بجميع وجهات النظر في النقاش.

 

مؤلف

Dmytro Spilka

Dmytro Spilka