مع استمرار الحكومات حول العالم في تجربة استخدام الذكاء الاصطناعي واستكشاف طرق الاستفادة من نماذج الأساس التي يقدمها الذكاء الاصطناعي التوليدي، يبرز سؤال مهم: كيف سيستفيد المواطنون من هذه التكنولوجيا؟ يُطلق على القطاع العام هذا الاسم لسبب وجيه: يجب أن تكون الأولوية دائمًا للمواطنين. لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على المساعدة على تحسين بعض الخدمات التي يعتمد عليها الناس كل يوم فحسب، بل يمكن أن يساعد أيضًا على سد الفجوة بين الحكومة المحلية وموظفيها وسكانها. ويمكنه تحقيق ذلك بشكل أساسي من خلال المساعدة على أتمتة الخدمات الحكومية المقدمة للمواطنين، وكذلك تعزيز الكفاءة في طريقة تواصل الوكالات داخليًا ومع الأفراد المستفيدين من الخدمات العامة.
في عالم الأعمال، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يمنح الشركات ميزة تنافسية مقارنةً بأقرانها الذين يتأخرون في اعتماد تقنيات التعلم الآلي ومعالجة اللغة الطبيعية والقدرات التوليدية. بدأ الذكاء الاصطناعي أيضًا في تقديم حالات استخدام ملموسة توضِّح كيف يمكن للتكنولوجيا تحسين خدمة العملاء بشكل واقعي. ولكن تأثير الذكاء الاصطناعي في القطاع العام قد يكون أعمق. عندما يتعلق الأمر بخدمة الأنواع المختلفة من المستفيدين لدى الحكومة، يوفر الذكاء الاصطناعي للوكالات الفرصة لتحليل البيانات بدقة وبشكل شامل، بهدف تقديم خدمات أكثر تخصيصًا وفاعلية للمواطنين بشكل استباقي. قد يشمل ذلك تقليل وقت الاستجابة لمعالجة المطالبات أو الحد من الإجراءات البيروقراطية التي تواجهها الشركات أو المتعاقدون الذين يتعاملون مع الحكومات بانتظام.
تخيَّل سيناريو يحتاج فيه شخص ما إلى العثور على سكن ميسور التكلفة بالقرب من وظيفة جديدة. يمكن للجهة المحلية المعنية بالإسكان أن توظِّف جوانب مختلفة من الذكاء الاصطناعي لتحديد احتياجات هذا الشخص تلقائيًا، ومعرفة الخدمات التي يحق له الحصول عليها، حتى تتمكن الجهة من التواصل معه بمعلومات حول تلك الخدمات. على سبيل المثال، يمكن لروبوت محادثة ذكي أن يساعد هذا الشخص في العثور على نموذج تقديم الطلب، متجاوزًا العديد من الأسئلة حول المعلومات الأساسية التي يُطلب من المواطنين عادةً تقديمها؛ لأن النظام يمتلك هذه المعلومات مسبقًا. بهذه الطريقة، يمكن للأتمتة والكفاءة المحسَّنة بالذكاء الاصطناعي أن تساعد الوكالات الحكومية على أن تكون مركزًا لخدمة المواطنين.
مثل هذا السيناريو أصبح اليوم أكثر واقعية مما كان عليه قبل بضع سنوات، وذلك بفضل النضج السريع للذكاء الاصطناعي وزيادة سهولة الوصول إليه. تعمل التكنولوجيا بشكل متزايد على أتمتة بعض المهام، ما يُتيح لموظفي القطاع العام التركيز بشكل أقل على المهام المتكررة قليلة القيمة، وبشكل أكبر على القضايا الأكثر أهمية فقط. النتيجة المحتملة؟ زيادة الإنتاجية والمساهمات القوية في المجتمع ككل. على سبيل المثال، اكتشفت إحدى الوكالات الكبيرة في الولايات المتحدة أنها كانت تنفق الكثير من الوقت في فرز المطالبات المرسلة عبر البريد والفاكس والطلبات المقدمة عبر الإنترنت. كان العمل اليدوي البطيء يؤخر عملية الموافقة، ما يعني أن المستفيدين لم يحصلوا على الفوائد التي يستحقونها في الوقت المناسب. من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي قبل عدة سنوات، تمكَّنت وزارة شؤون المحاربين القدامى الأمريكية (VA) من تقليل الوقت المستغرق في فرز المطالبات من 10 أيام إلى نحو نصف يوم.
منذ ذلك الحين، أنشأت وزارة شؤون المحاربين القدامى الأمريكية (VA) مشروعًا تجريبيًا لمجلس المراجعة المؤسسية للذكاء الاصطناعي (IRB) لمساعدة الوزارة على مراجعة المشروعات المقترحة للذكاء الاصطناعي. يلتزم مجلس المراجعة المؤسسية للذكاء الاصطناعي في وزارة شؤون المحاربين القدامى (VA) ولجنة إشراف منفصلة عن كثب بمخطط "ميثاق الحقوق" للذكاء الاصطناعي الصادر عن البيت الأبيض عام 2022، والذي تم تصميمه لتوجيه كل وكالة اتحادية إلى كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي. أنشأت إدارة شؤون المحاربين القدامى مجلس مراجعة مؤسسي للذكاء الاصطناعي ولجنة إشراف على الذكاء الاصطناعي، تم تكليفهما بتقييم عدالة وشفافية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي ضمن العمليات البحثية والسريرية، لتحديد أفضل السبل لاستخدامها من قِبل الإدارة وموظفيها.
حكومات أخرى مثل المملكة المتحدة تمضي قدمًا في استكشاف فرص وتحديات استخدام الذكاء الاصطناعي، وقد أنشأت نهجًا وطنيًا يوجِّه كيفية تطبيق هذه التقنية.
غالبًا ما يتم تحفيز الوكالات الحكومية لدعم خدمات جديدة عند صدور قوانين جديدة، بغض النظر عما إذا كانت أنظمة تكنولوجيا المعلومات لديها جاهزة لتحمُّل العبء الإضافي. غالبًا ما تتطلب تلبية هذه المطالب تبسيط العمليات وتحسين الكفاءة. وهذه مسألة متكررة في المؤسسات الوطنية الكبيرة، وكذلك في المؤسسات الأصغر أو الإقليمية أو المحلية.
ومن الأمثلة الجيدة على ذلك مشروع قانون التحفيز الاقتصادي الذي أقرّته الولايات المتحدة عام 2021 للمساعدة على التخفيف من الأثر المالي لجائحة كوفيد-19 في المواطنين. توقَّعت إدارة شؤون المجتمع في ولاية نيوجيرسي (DCA) تأثير هذا القانون بسرعة، ونفَّذت عملية تقديم وفحص طلبات مرنة ومبسطة، مكَّنت المواطنين من استخدام بوابة إلكترونية للتقديم على الدعم المالي الضروري بشكل عاجل. للمساعدة على تقليل أعباء مراكز الاتصال المتوقعة، عمِلت DCA على دمج مساعد افتراضي وتقنية الاستجابة الصوتية التفاعلية (IVR) NICE CXone مع بوابة التقديم ومركز الاتصالات التابعَين للوكالة. أزالت ميزة الخدمة الذاتية التي يقدمها Watson Assistant من IBM الحاجة إلى الرد على متوسط 6,200 مكالمة شهريًا، ما مكَّن من توفير أكثر من 800 ساعة كان سيتم قضاؤها في الانتظار.
إلى جانب عرض حالات استخدام الذكاء الاصطناعي في الخدمات التي تقدمها الجهات المدنية الحكومية، من الضروري أيضًا إبراز أن الحفاظ على ثقة الجمهور أولوية أساسية عند توظيف هذه التقنية. ومن منظور IBM، لا يكتمل أي نقاش حول الذكاء الاصطناعي المسؤول في القطاع العام دون التأكيد على الاستخدام الأخلاقي للتقنية عبر دورة حياتها كاملة، بداية من مرحلة التصميم والتطوير وصولًا إلى الاستخدام والصيانة، مع إبقاء الإنسان في قلب الخدمات الحكومية، ومتابعة النشر المسؤول بالاستناد إلى الخصائص الخمس الأساسية للذكاء الاصطناعي الجدير بالثقة: القابلية للتفسير، والعدالة، والشفافية، والمتانة، والخصوصية.
وفيما يتعلق بتنظيم هذه التقنية الناشئة، تدعم IBM بقوة التنظيم الدقيق الذي يحدد كيفية استخدام التقنية بدلًا من تنظيم التقنية نفسها. ولطالما أكدت IBM أن أنظمة الذكاء الاصطناعي يجب أن تكون شفافة وقابلة للتفسير. ويساعد توفر هذه الخصائص في معالجة كثير من المخاوف نفسها التي تستهدفها تشريعات مقترحة قيد الدراسة، مثل حماية حقوق النشر والخصوصية والتحيز الخوارزمي.
يرغب الناس حول العالم في الاطمئنان إلى أن بياناتهم محمية وأن استخدامها يقتصر فقط على الطرق التي يوافقون عليها. وفقًا لدراسة أجرتها Morning Consult نيابةً عن IBM Policy Lab في 2020، أبدى نحو ثلاثة من كل أربعة أوروبيين ونحو ثلثي الأمريكيين المشاركين في الاستطلاع دعمهم للوائح مثل تقييم المخاطر، التي تختبر الذكاء الاصطناعي للكشف عن التحيّز ومنع أي تمييز في اتخاذ القرارات. تؤكِّد هذه الإحصاءات أن بناء أساس موثوق به للذكاء الاصطناعي يمثِّل أولوية قصوى على مستوى العالم.
عند تخيُّل مستقبل الحكومات، يكاد يكون من المؤكد أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي دورًا كبيرًا بطريقة أو بأخرى. الآن، الأمر كله يتعلق بتحديد القضايا التي يمكن حلها باستخدام الذكاء الاصطناعي وتنفيذه بطريقة أخلاقية، مع إعطاء الأولوية لتعزيز جودة تقديم الخدمات للمواطنين. مع استمرار القطاع العام في التعمق في عالم الذكاء الاصطناعي والأتمتة، هناك العديد من الطرق التي يمكن الاستفادة منها لخدمة المصلحة العامة. لا شك في ذلك: عندما ننظر إلى الوراء بعد سنوات في مجال الحكومة، سيكون من المدهش رؤية مدى تقدُّم هذه التقنية وكل الأشخاص الذين ساعدتهم.
حلول تكنولوجيا المعلومات الحكومية لزيادة السرعة وتعزيز المرونة.
تطوير جاهزية الحكومات وصمودها لمواكبة عالم يتزايد فيه عدم اليقين.
استخدم روبوتات المحادثة الحكومية المدعومة بالذكاء الاصطناعي لدعم المواطنين على مدار اليوم طوال أيام الأسبوع باستخدام IBM watsonx Assistant.